عبد الملك الجويني
343
نهاية المطلب في دراية المذهب
أبو حنيفة كونَ الفاسق من أهل الشهادة ، وكذلك قضى بانعقاد النكاح بحضور فاسقين ، وجعل الفاسق من أهل اللعان ، ولا تعويل على مذهبه في طلب القواعد ، فإنه حكم بانعقاد النكاح بحضور محدودَيْن في القذف ، ولم يجعل المحدود من أهل اللعان . ولنا عَوْصاء ( 1 ) بالتنبيه على ذلك أن الأصحاب أطلقوا أقوالهم بأن القاضي لا يرجع على الفاسق ؛ فإن الفاسق من أهل الشهادة على رأيٍ . وهذا فيه نظر ؛ فإن العبد من أهل الشهادة عند شطر الأمة ، وهو من أهل الرواية بلا خلاف ، فينبغي أن يكون مأخذ هذا من أصل آخر ، وهو أن نقول : إن كان التفسيق مجتهداً ( 2 ) فيه ، فلا رجوع بما ذكرناه ، وإن كان التفسيق بما يوجب التفسيق وفاقاً ، فيحتمل أوجهاً : أحدها - ثبوت الرجوع بما ذكرناه في الكافر والرقيق . والثاني - أن لا رجوع أصلاً ، لأن الفاسق مأمور بكتمان فسقه ، والعبد والكافر مأموران بإظهار حالهما . والثالث - أنه إن كان مستسرّاً بالفسق مكاتماً ، فلا رجوع ، وإن كان معلناً بالفسق غير مبالٍ به ، فهو كالرقيق ، وهذا يقرب من اختلاف الأصحاب في أن المعلن بالفسق لو شهد ، فردّت شهادته ثم أظهر العدالة وأعاد الشهادة ، ففي قبول تلك الشهادة خلاف . هذا منتهى القول في الصور التي أردنا ذكرها في غلط الإمام . ثم ذكر الشافعي على أثر هذا الكلامَ على الجلاد ، وهذا لائق بهذا المنتهى . 11220 - قال : " وليس على الجالد شيء . . . إلى آخره " ( 3 ) . الجلاد سوطُ الإمام وسيفُه ، فإذا قَتل وقَطع وجَلد - وهو يُصدر جميعَ أفعاله عن أمر الإمام - فلا يتعلّق به ضمان إذا لم يكن مطلعاً على حقيقة الحال ، وإنما يَتَّبِع ، ويرتسم ، ولا يُشترط أن يكون مكرهاً ؛ فإنا لو شرطنا ذلك ، ضاق التصرف على الإمام ، واحتاج إلى التكفل بالجلاد ، والتوثق منه بالحبس ، وذلك يخالف قاعدة الشرع وسِيَر الأولين ، ولو راعينا الإكراه ، لخرّجنا الجلاد على اختلاف الفقهاء في
--> ( 1 ) عوصاء : أي شدة ومشكلة . ( المعجم ) . ( 2 ) في الأصل : " مجتهد " . ( 3 ) ر . المختصر : 5 / 176 .